تجليات الأداء الدرامي: كيف حلّقت سناء عكرود بشخصية "رحمة" إلى أبعاد جديدة وكسرت متلازمة "البديل" ببراعة؟
- peoplebelarabi
- Mar 8
- 2 min read

نورا العواد
08 فبراير 2026
بيروت
في عالم الصناعة الدرامية، يُعد استبدال بطل رئيسي في موسم ثانٍ بعد نجاح ساحق للموسم الأول بمثابة "مخاطرة فنية" شديدة التعقيد؛ فالمشاهد عادة ما يبني عقداً بصرياً وعاطفياً مع الممثل الأول. هذا التحدي برز بقوة مع إعلان مسلسل "رحمة" في موسمه الثاني (تحت إدارة المخرج محمد علي المجبود) عن تولي الفنانة القديرة سناء عكرود دور البطولة خلفاً للنجمة منى فتو.
لكن ما حدث على الشاشة لم يكن مجرد سدٍ لفراغ أو إكمالٍ لمسار، بل كان بمثابة "إعادة هندسة" كاملة للشخصية. لقد تمكنت سناء عكرود من أخذ دور الأم المكافحة إلى عالم آخر بأسلوب تقني مبهر، جعل المشاهد يتجاوز صدمة التغيير ويندمج بسلاسة تامة مع الروح الجديدة، وكأن البطلة لم تتغير قط.
• التفكيك النفسي وهندسة الانفعالات: لم تلجأ عكرود إلى فخ "الاستنساخ" أو تقليد الأداء السابق، بل قامت بتفكيك النواة النفسية لشخصية "رحمة". اعتمدت على تقنية "الاقتصاد في الانفعال"، مستبدلة الميلودراما المبالغ فيها بلغة عيون مكثفة وإيماءات وجه دقيقة جدًا (Micro-expressions) تنقل ثقل المسؤوليات المادية والخطر المحدق بأبنائها بصدق فائق دون الحاجة إلى حوارات طويلة.
• التحكم الهندسي في الطبقات الصوتية (Vocal Modulation): من أبرز الأدوات التي مكّنت سناء من ترويض "ذاكرة المشاهد" هو وعيها التام بالبصمة الصوتية للشخصية. استخدمت طبقات صوتية هادئة، حازمة، ومبطنة بالشجن، لتعكس النضج والتطور الطبيعي الذي وصلت إليه شخصية "رحمة" بعد أزمات الموسم الأول. هذا التوظيف الصوتي خلق تبريراً ذهنياً لدى المتلقي بأن الشخصية كبرت وتصلبت، لا أنها استُبدلت.
• الديناميكية الجسدية والثبات (Grounding): على مستوى لغة الجسد، تبنت سناء وقفة وحركة تتسمان بالثبات الأرضي. طريقتها في التحرك داخل الفضاء الدرامي وتفاعلها مع التهديدات، أعطت انطباعاً صلباً بـ "الأم الدرع". هذا التمركز الجسدي القوي حافظ على الهوية البصرية لمركزية الأم في الأسرة المغربية، ونسف أي إحساس بالقطيعة.
• التناغم العضوي (Ensemble Chemistry): الكيمياء الفنية التي نسجتها عكرود مع باقي أبطال العمل (مثل عبد الله ديدان، فرح الفاسي، وكريمة غيث) كانت مبنية على استراتيجية الفعل ورد الفعل اللحظي. لقد ذابت في نسيج العائلة الدرامية بسرعة فائقة، مما جعل الروابط تبدو أصيلة وممتدة، وكأنها هي من أسست لهذه الديناميكية منذ الحلقة الأولى للمسلسل.
لقد أثبتت سناء عكرود في الموسم الثاني من "رحمة" أن احترافية الممثل لا تكمن فقط في حفظ الحوارات، بل في قدرته على استيعاب روح الشخصية وإعادة تشكيلها. بذكائها العاطفي وأدواتها التقنية العالية، حوّلت عقبة "تغيير البطلة" إلى فرصة لضخ دماء جديدة في العمل، جاعلة الجمهور ينسى المقارنة ويغوص في عمق الحكاية.





Comments